أحمد بن علي القلقشندي
322
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ولا ولد ولا صاحب ، شهادة تزجر طير الإشراك بهذه الأشراك من كلّ جانب ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي قرّبه فكان قاب قوسين أو أدنى وهذه أعلى المراتب ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه الذين رقوا في العلياء لمراق لم يسم إليها طير مراقب ، صلاة يسبق بها المصلَّي إلى بقاع شرف يشرق سناه في المشارق والمغارب ، ويرجع طائرا بالسّرور ولا رجوع الطائر الشّارد إلى المشارب . وبعد ، فإن الصّيد من أحلّ الأشياء وأحلاها ، وأجلَّها وأجلاها ، وأبهرها وأبهاها ، وأشهرها وأشهاها ، وأفخرها قيمة ، وأغزرها ديمة ؛ بورود الطَّير فيه إلى المناهل تنشرح الصدور ، وبوقوعه في شرور الشّرك يتمّ السّرور ؛ يحصّل عند متعاطيه نشاطا ، ويزيده انبساطا ، ويشرح خاطره ، ويسرّح ناظره ، ويملأ عينه قرّة ، وقلبه مسرّة ؛ يشجّع الجبان ، ويثبّت الجنان ، ويقوّي الشّهوة ، ويسوّي الخطوة ، ويسوق الظَّفر ، ويشوق النّظر ، ويروق منه الورد والصّدر ، ويفوق فيه الخبر على الخبر . قال بعض الحكماء : « قلَّما يغمش ناظر زهرة ، أو يزمن مريع طريدة » ؛ يعني بذلك من أدمن الحركة في الصّيد ونظر إلى البساتين ، فاستمتع طرفه بنضرتها ، وأنيق منظرها . ومن ذا الذي ينكر لذّة الاصطياد ، والطَّرب بالقنص على الإطراد ؟ وللَّه درّ القائل : لولا طراد الصّيد لم تك لذّة فتطاردي لي بالوصال قليلا . هذا الشّراب أخو الحياة وما له من لذّة حتّى يصيب عليلا ! يا حسنه من فعل اعتلَّت بالنّسيم موارده ومصادره ، وفاقت أوائله في اللَّذاذة أواخره ؛ وللَّه القائل : إنّما الصّيد همّة ونشاط يعقب الجسم صحّة وصلاحا ورجاء ينال فيه سرور حين يلقى إصابة ونجاحا !